السيد كمال الحيدري

120

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

إلى أنّ الموجودات على تباينها في الذوات والصفات والأفعال وترتّبها في القرب والبُعد من الحقّ الأوّل والذات الأحدية ، يجمعها حقيقة واحدة إلهيّة جامعة لجميع حقائقها وطبقاتها ، لا بمعنى أنّ المركّب من المجموع شئ واحد هو الحقّ سبحانه حاشا الجناب الإلهى عن وصمة الكثرة والتركيب بل بمعنى أنّ تلك الحقيقة الإلهية مع أنّها في غاية البساطة والأحدية ينفذ نوره في أقطار السماوات والأرض ، ولا ذرّة من ذرّات الأكوان الوجودية إلّا ونور الأنوار محيط بها قاهر عليها ، وهو قائم على كلّ نفس بما كسبت ، وهو مع كلّ شئ لا بمقارنة وغير كلّ شئ لا بمزايلة « 1 » وَهُوَ الَّذِى فِى السَّمَاءِ إِلهٌ وَفِى الْأَرْضِ إِلهٌ « 2 » . وهذا المطلب الشريف الغامض اللطيف ممّا وجدوه وحصّلوه بالكشف والشهود عقيب رياضاتهم وخلواتهم ، وهو ممّا أقمنا عليه البرهان مطابقاً للكشف والوجدان » « 3 » . بعد هذه المقدّمة التي لا يهمّنا فيه ما ذكره من أنّ بعضهم أحرزها بالكشف والشهود بعد العبادة والتزكية ، بل يهمّنا طبيعة البرهان الذي يقيمه دليلًا على صحّة الدعوى ، لأنّ ما يصل إليه الإنسان بالكشف والشهود يعدّ شأناً ذاتياً لا حجّية له ولا إلزام على الآخرين إلّا بقدر ما يصحّحه البرهان ويقوّمه الدليل ؛ بعد ذلك كلّه ينتقل الشيرازي إلى تقديم تفسيره للأمر بين الأمرين على أساس أصول مدرسة الحكمة المتعالية ومرتكزات العرفان النظري في هذا الخطّ . يقول : « كما أنّه ليس في الوجود شأن إلّا وهو شأنه ، كذلك ليس في الوجود فعل إلّا وهو فعله ، لا بمعنى أنّ فعل زيد مثلًا ليس صادراً عنه ، بل بمعنى أنّ فعل

--> ( 1 ) إشارة إلى مضمون كلام للإمام أمير المؤمنين عليه السلام يقول فيه : مَعَ كُلِّ شَىْء لَا بِمُقَارَنَة ، وَغَيْرُ كُلِّ شَىْء لَا بِمُزَايَلة ( نهج البلاغة ، الخطبة الأولى ) . ( 2 ) الزخرف : 84 . ( 3 ) الحكمة المتعالية ، مصدر سابق ، ج 6 ، ص 373 372 .